محمد حسين الذهبي
357
التفسير والمفسرون
وانظر إلى ما كتبه قبل ذلك عند تفسيره لقوله تعالى في الآية ( 7 ) من السورة نفسها « خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ » تجده يطيل بما لا يتسع لذكره المقام هنا ، من بيان إسناد الختم إليه عز وجل على مذهب أهل السنة ، ومن ذكر ما ذهب إليه المعتزلة في هذه الآية وما رد به عليهم ، وفند به تأويلهم الذي يتفق مع مذهبهم الاعتزالى « 1 » . ومثلا عند تفسيره لقوله تعالى في الآية ( 11 ) من سورة الجمعة « وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ » يقول ما نصه : « وطعن الشيعة لهذه الآية الصحابة رضى اللّه تعالى عنهم ، بأنهم آثروا دنياهم على آخرتهم ، حيث انفضوا إلى اللهو والتجارة ، ورغبوا عن الصلاة التي هي عماد الدين ، وأفضل من كثير من العبادات ، لا سيما مع رسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلم . وروى أن ذلك قد وقع مرارا منهم . وفيه أن كبار الصحابة كأبي بكر وعمر وسائر العشرة المبشرة لم ينفضوا ، والقصة كانت في أوائل زمن الهجرة ، ولم يكن أكثر القوم تام التحلي بحلية آداب الشريعة بعد ، وكان قد أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر ، فخاف أولئك المنفضون اشتداد الأمر عليهم بشراء غيرهم ما يقتات به لو لم ينفضوا ، ولذا لم يتوعدهم اللّه على ذلك بالنار أو نحوها ، بل قصارى ما فعل سبحانه أنه عاتبهم ووعظهم ونصحهم ، ورواية أن ذلك وقع منهم مرارا إن أريد بها رواية البيهقي في شعب الإيمان عن مقاتل بن حيان أنه قال : بلغني - واللّه تعالى أعلم - أنهم فعلوا ذلك ثلاث مرات ، فمثل ذلك لا يلتفت إليه ولا يعول عند المحدثين عليه . وإن أريد بها غيرها فليبين وليثبت صحته ، وأنى بذلك ؟ وبالجملة : الطعن بجميع الصحابة لهذه القصة التي كانت من بعضهم في أوائل أمرهم - وقد عقبها منهم عبادات لا تحصى - سفه ظاهر وجهل وافر « 2 »
--> ( 1 ) أنظر ج 1 ص 131 - 134 ( 2 ) ج 28 ص 94